سيد محمد طنطاوي

526

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : فأصبح النبات بعد اخضراره ، يابسا متفتتا ، تفرقه الرياح وتنسفه وتذهب به حيث شاءت وكيف شاءت . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد شبهت حال الدنيا في حسنها وجمال رونقها ، ثم في سرعة زوالها وفنائها بعد ذلك ، بحال النبات الذي نزل عليه الماء فاخضر واستوى على سوقه ، ثم صار بعد ذلك يابسا متفتتا تذهب به الرياح حيث شاءت . والتعبير بالفاء في قوله - سبحانه - فاختلط . فأصبح . . يزيد الأسلوب القرآني جمالا وبلاغة ، لأن فاء التعقيب هنا تدل على قصر المدة التي استمر فيها النبات نضرا جميلا ، ثم صار هشيما تذروه الرياح . وهكذا الحياة تبدو للمتشبثين بها ، جميلة عزيزة ، ولكنها سرعان ما تفارقهم ويفارقونها ، حيث ينزل بهم الموت فيجعل آمالهم تحت التراب . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ، * ( وكانَ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) * أي : وكان اللَّه - تعالى - وما زال - على كل شيء من الأشياء التي من جملتها الإنشاء والإفناء كامل القدرة ، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . وقد ذكر - سبحانه - ما يشبه هذه الآية في سور كثيرة ، ومن ذلك قوله - تعالى - : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه نَباتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعامُ ، حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ ، وظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها ، أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ « 1 » . ثم بين - سبحانه - القيمة الحقيقة للمال وللبنين فقال : * ( الْمالُ والْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) * . والمال : اسم لكل ما يتموله الإنسان ويتملكه من النقود والعقار والحرث والأنعام . . إلخ والبنون : جمع ابن . والزينة : مصدر . والمراد بها هنا ، ما في الشيء من محاسن ترغب الإنسان في حبه . أي : المال والبنون زينة يتزين بها الإنسان في هذه الحياة الدنيا ، ويتباهى بها على غيره . وإنما كانا كذلك ، لأن في المال - كما يقول القرطبي - جمالا ونفعا ، وفي البنين قوة ودفعا .

--> ( 1 ) سورة يونس الآية 24 .